محمد حسين هيكل
347
حياة محمد ( ص )
الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً . بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) « 1 » . ويقول : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) « 2 » . هذه الآيات قويّة غاية القوّة تنقض ما يقال عن دعوة الجبرية الإسلامية للقعود وعدم السعي . فاللّه خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيّهم أحسن عملا . وعملهم في الحياة ، وجزاؤهم عنه بعد الموت . فإذا لم يعملوا ، وإذا لم يمشوا في مناكب الأرض ويأكلوا من رزق اللّه ، وإذا لم يصّدّقوا مما آتاهم اللّه ، وإذا لم يؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، عصوا اللّه ، وكان من يفعل ذلك كله أحسن منهم عند اللّه عملا وأحسن في الآخرة جزاء ومثوبة . واللّه يبلونا في الحياة بالخير والشرّ فتنة . وعلينا أن نميّز بعقولنا بين الخير والشرّ . فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره . ولئن لم يصبنا إلا ما كتب اللّه لنا ليكونن ذلك أشدّ إمعانا بنا في سبيل الخير لنرى الخير . وسواء علينا بعد ذلك اختارنا اللّه إليه أقوياء عاملين مجاهدين ، أم رددنا إلى أرذل العمر لكيلا نعلم من بعد علم شيئا . فليس مقياس الحياة عدد السنين التي يقضي المرء فيها ، وإنما مقياسها ما يقوم به الإنسان فيها من أعمال باقيات صالحات . والذين يتوفّون في سبيل اللّه أحياء عند ربهم ، وهم أحياء بيننا بذكرهم . وكم من أسماء باقية على مرّ الدهور والقرون لأن أصحابها وهبوا أنفسهم ومجهوداتهم للخير ؛ فهم بيننا معشر الأحياء وإن كان اللّه قد اختارهم إليه منذ مئات السنين . ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) . هذا هو الحق ، وهو وحده الذي يتفق مع سنّة الكون . فللإنسان أجل لا يعدوه ، كما أن للشمس وللقمر مواقيت للكسوف والخسوف لا تتغير ، لا تستقدم ولا تستأخر . وهذا الأجل المحتوم أدعى إلى أن يسارع الإنسان إلى الخيرات ، وأن يعمل صالحا ، وأن يبذل في ذلك كل جهده ؛ فهو لا يدري متى تكون منيّته ، فإذا جاءت فجزاؤه ما قدّم . وإن أمامنا كل يوم لدليلا على أن الأجل قدر لا مفرّ منه ، فمن الناس من يأتيه الموت فجأة ولا يعرف أحد له مرضا . ومنهم المريض الذي يكافح مرضه ويئن من أهواله عشرات السنين حتى يردّ إلى أرذل العمر . وطائفة من الأطباء اليوم يقولون إن الإنسان يولد وفي تكوينه جرثومة انتهاء حياته ، وإن الأمد الذي تعمل فيه هذه الجرثومة لتبلغ غايتها يمكن معرفته لو استطعنا معرفة الجرثومة نفسها . ومعرفة هذه الجرثومة ليس بالأمر المستطاع ، فهي قد تكون مادية في الجسم كامنة في عضو من أعضائه الرئيسية أو غير الرئيسية ، وقد تكون معنوية في التفكير متصلة بتلافيف المخ تدفع صاحبها إلى المغامرة وإلى المخاطرة ، أو إلى الشجاعة والإقدام . واللّه الذي أحاط بكل شيء علما ، عنده علم الساعة التي تحين فيها منية كل إنسان بحكم سنّة الكون التي لا تحويل لها ولا تبديل . رسل اللّه من أبناء الشعب ومن آيات رحمته جلّ شأنه أنه لا يعذّب حتى يبعث رسولا يهدي الناس إلى الحق ويبين لهم سبيل الخير ، ولو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابّة ، لكنه يؤخّرهم إلى أجل مسمّى ليسمعوا إلى الرسل فيتّبعوا الهدى ولا تغرّهم الحياة الدنيا بزخرفها . . . ولم يبعث اللّه رسله من الملوك ولا من الأغنياء وذوي الجاه ولا من العلماء ؛ وإنما بعثهم من أبناء الشعب . فإبراهيم نجّار وأبوه نجّار . وعيسى نجّار الناصرة . وغير واحد من الأنبياء كانوا رعاة غنم ؛ ومن هؤلاء خاتمهم عليه الصلاة والسلام . وإنما يبعث اللّه رسله من أبناء
--> ( 1 ) سورة الجمعة الآيات من 5 إلى 7 . ( 2 ) سورة الأنعام آية 60 .